الغزالي

50

إحياء علوم الدين

ولا تخرج إلا من دار الضرب ، وهي في أيدي الظلمة مثل المعادن في أيديهم ، يمنعون الناس منها ، ويلزمون الفقراء استخراجها بالأعمال الشاقة ، ثم يأخذونها منهم غصبا . فإذا نظر إلى هذا علم أن بقاء دينار واحد بحيث لا يتطرق إليه عقد فاسد ، ولا ظلم وقت النيل ، ولا وقت الضرب في دار الضرب ، ولا بعده في معاملات الصرف والربا ، بعيد نادر ، أو محال . فلا يبقى إذا حلال إلا الصيد ، والحشيش في الصحاري الموات والمفاوز ، والحطب المباح . ثم من يحصله لا يقدر على أكله ، فيفتقر إلى أن يشترى به الحبوب والحيوانات التي لا تحصل إلا بالاستنبات والتوالد ، فيكون قد بذل حلالا في مقابلة حرام . فهذا هو أشد الطرق تخيلا والجواب : أن هذه الغلبة لم تنشأ من كثرة الحرام المخلوط بالحلال ، فخرج عن النمط الذي نحن فيه ، والتحق بما ذكرناه من قبل ، وهو تعارض الأصل والغالب . إذ الأصل في هذه الأموال قبولها للتصرفات ، وجواز التراضي عليها . وقد عارضة سبب غالب يخرجه عن الصلاح له فيضاهى هذا محل القولين للشافعي رضي الله عنه في حكم النجاسات . والصحيح عندنا ، أنه تجوز الصلاة في الشوارع ، إذا لم يجد فيها نجاسة . فان طين الشوارع طاهر . وأن الوضوء من أواني المشركين جائز ، وأن الصلاة في المقابر المنبوشة جائزة . فنثبت هذا أولا ، ثم نقيس ما نحن فيه عليه : ويدل على ذلك توضؤ رسول الله صلَّى الله عليه وسلم من مزادة مشركة ، وتوضؤ عمر رضي الله عنه من جرة نصرانية ، مع أن مشربهم الخمر ومطعمهم الخنزير ، ولا يحترزون عما نجسه شرعنا . فكيف تسلم أوانيهم من أيديهم . بل نقول نعلم قطعا أنهم كانوا يلبسون الفراء المدبوغة والثياب المصبوغة والمقصورة . ومن تأمل أحوال الدباغين والقصارين والصباغين علم أن الغالب عليهم النجاسة ، والطهارة في تلك الثياب محال أو نادر . بل نقول : نعلم أنهم كانوا يأكلون خبز البر والشعير ولا يغسلونه ، مع أنه يداس بالبقر والحيوانات ، وهي تبول عليه وتروث ، وقلما يخلص منها . وكانوا يركبون الدواب وهي تعرق ، وما كانوا يغسلون ظهورها ، مع كثرة تمرغها في النجاسات . بل كل دابة تخرج من بطن أمها وعليها رطوبات نجسة ، قد تزيلها الأمطار وقد لا تزيلها ، وما كان يحترز عنها . وكانوا يمشون خفاة في الطرق وبالنعال ، ويصلون معها ، ويجلسون على التراب ، ويمشون